صعود وتحديات التوصيل للوجهة الأخيرة وإمكانياته الكامنة


من البيع بالجملة إلى التجارة الإلكترونية: ظهور خدمات التوصيل للوجهة الأخيرة ورحلتها في العراق


مجاهد ويسي


كانت خدمة التوصيل للوجهة الأخيرة مقصورة على بعض شركات النقل الموجودة في الغالب في شارع الصناعة والنهضة وبعض الأماكن الأخرى في باقي المحافظات. كانت تعمل تلك الشركات في نقل البضائع بين بغداد وبقية المحافظات، في الغالب عن طريق التجار الذين قدِموا إلى بغداد لشراء الجملة ثم نقلها باستخدام هذه الخدمات. تُقسَمُ هذه الشركات إلى فئتين؛ إحداهما متخصصة في نقل البضائع، والأخرى شركات نقل الركاب والتي كانت تنقل البضائع كذلك. كانت هذه الممارسة، استخدام نقل الركاب وسيلةً لنقل البضائع، تُستخدم عادةً للبضائع الخفيفة وتعمل على أساس فردي بين المرسل والسائق. كان هذا هو النموذج الأكثر شيوعاً الذي تم استخدامه لنقل البضائع حتى دخول الإنترنت والتجارة الإلكترونية، مما أدى إلى تغيير نماذج الأعمال هذه.


في حوالي عام 2016، ومع ظهور التجارة الإلكترونية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي على الأغلب، بدأت شركات النقل في توجيه أعمالها لتناسب هذا الاتجاه. بدأ هذا الاتجاه في الانتشار لأن الطريقة التقليدية لنقل البضائع كانت مكلفة للغاية، خاصة عندما لم تكن البضائع بالجملة. كانت كلفة إرسال الأغراض مع السائق حوالي 25,000 دينار عراقي. بالإضافة إلى ذلك، تعمل شركات الشحن الدولية مثل FedEx وDHL وUps وغيرها، على الشحنات الدولية بدلاً من الشحنات المحلية. هذه العوامل، إلى جانب ظهور التجارة الإلكترونية، شجعت السوق على تبديل التكتيكات. استقر السوق على سعر قياسي للشحن بقيمة 5,000 دينار عراقي لكل عنصر داخل نفس المحافظة و10,000 دينار عراقي لكل عنصر من محافظة إلى أخرى. هذه الأسعار بالكاد مفتوحة للتفاوض، لأنها في الغالب غير قابلة للتغيير حتى لو كانت الخدمات أفضل لأن العميل لن يتعامل مع شركة تتقاضى أكثر من تلك الأسعار القياسية، مما يدفع الشركات إلى الامتثال لهذه الأسعار. ومع ذلك استخدمت بعض الشركات أساليب أخرى لزيادة المنافسة والجذب من خلال خفض الأسعار إلى 4,000-3,000 دينار عراقي للتوصيل المحلي و7,000 دينار للتوصيل عبر المحافظات.


حاليا تتعامل آلاف الشركات في العراق في نقل البضائع سواء داخل حدود محافظة واحدة أو عبر المحافظات. العديد من هذه الشركات غير مسجلة وهي في الغالب مؤسسات صغيرة تتكون من مكتب واحد ولديها أسطول من الممثلين وسائقي سيارات الأجرة أو الدراجات النارية أو كلاهما كأطراف ثالثة يتكفلون بنقل البضائع. من ناحية أخرى، تعمل الشركات الأكثر رصانةً في الصناعة كلاعبين كبار في السوق؛ وهي شركات مسجلة تمتلك أساطيل كبيرة. تستخدم بعض هذه الشركات الرصينة التكنولوجيا في أعمالها، إما في أعمالها الداخلية أو للتواصل مع العملاء من خلال التطبيقات. ومع ذلك لم تصبح حتى الآن هذه هي الطريقة السائدة للعمل في صناعة نقل البضائع.


نشأت العديد من شركات التوصيل الصغيرة بفعل حاجة السوق التي تولدت من انتشار التجارة الإلكترونية. في بعض الحالات، كان ذلك نتيجة لرؤية بعض شركات التجارة الإلكترونية وجود إمكانية كامنة في تحملها مسؤولية توصيل بضائعها. بدأت بعض شركات التجارة الإلكترونية هذه إما في بناء خدمات التوصيل الخاصة بها أو توقيع اتفاقيات شراكة مع شركات توصيل أكثر رسوخاً وذات سمعة طيبة. يرجع ذلك إلى حقيقة أن العديد من شركات التوصيل الصغيرة لا تقدم عادةً ما يتوافق مع المعايير التي تطلبها شركات التجارة الإلكترونية. كانت إحدى المشكلات الأكثر انتشاراً التي نشأت هي الطلبات المرجوعة، وهي الطلبات التي تم إرسالها للزبون ولكنه لم يستلمها لأسباب عديدة. نتج عن ذلك خسارة تقريبية تتراوح بين 5٪ و20٪ وحسب جودة المنتج والشركة.


ويمثل الضرر الذي قد يصيب البضائع مشكلة أخرى. قد لا يفهم سائقو التوصيل طبيعة المنتج في كثير من الأحيان، مما قد يتسبب في سوء تخزينه، فيتضرر بسبب العديد من العوامل المختلفة. ينشب عن هذا في المقابل خلافٌ بين شركة التوصيل وشركة التجارة الإلكترونية التي تتعامل معها. تتحمل بعض شركات التوصيل المسؤولية المالية عن أي أضرار قد تصيب المنتج، وبعضها ترفض تحمل هذا العبء وينتهي بها الأمر إلى فقدان عملائها. علاوة على ذلك، هناك قضية التسوية المالية بين شركات التجارة الإلكترونية وشركات التوصيل. اعتمدت العديد من شركات التوصيل في المرحلة الأخيرة على الأعمال الورقية؛ وإذا ما ضاعت الفواتير، فإن الشركة ستنفي أن الطلبات قد تم توصيلها واستلام ثمنها. يتحسن هذا الوضع مع اعتماد العديد من الشركات للنموذج الرقمي. ومع ذلك، هناك جانب آخر لهذه المشكلة يتمثل في تلقي المدفوعات من شركات التوصيل، والتي تكون عرضة للتأخير في كثير من الأحيان.


وأيضاً نرى في بعض الأحيان أن بعض الشركات تخفض أسعار التوصيل للحصول على المزيد من العملاء واكتساب جذب أقوى على الرغم من كون هذه الأسعار غير مربحة. غالباً ما يكون لدى هذه الشركات ممارسات محاسبية سيئة ومسك دفاتر غير مناسب، وتكون ليست ملمَّةً إلماماً تاماً بالمشكلة المطروحة. تستمر هذه الشركات بتدوير الأموال الواردة والأموال التي يتم دفعها للحفاظ على العمليات دون تحقيق أي أرباح، بينما تكسب في الوقت نفسه المزيد من العملاء وتزداد تكلفة العمليات. لذلك، أفلست بعض الشركات وتراكمت في رقبتها ديون كبيرة لعملائها تعجز عن سدادها أو، في أفضل الظروف، لا يمكنها سدادها إلا على أقساط طويلة الأجل.


بغض النظر عن العقبات التي تؤثر على قطاع التوصيل، فإن الإمكانات في هذا القطاع هائلة ولا يمكن التغاضي عنها. المستفيد الرئيسي هو السوق المتنامية للتجارة الإلكترونية، ويرتبط الاثنان طبيعياً بالنمو جنباً إلى جنب. سيؤدي الاعتماد المتزايد للدفع الإلكتروني من قبل الشركات والعملاء على حد سواء إلى التخفيف من العديد من المشكلات الأساسية في هذا المجال بما في ذلك الطلبات المرجوعة والاحتيال والدفع المتأخر. بالإضافة إلى ذلك، فإن الرقمنة والتقدم في التكنولوجيا والتحسن في الخدمات اللوجستية والبنية التحتية للنقل، واستخدام الممارسات المحاسبية المناسبة، من شأنه أن يقود هذا القطاع إلى التوسع بشكل كبير وفي الاتجاه الصحيح.




More Arabic Articles

تحول التعليم الجامعي في كوردستان العراق: اجتياز العقبات وتبني التغيير الإيجابي

واجه التعليم في إقليم كوردستان العراق العديد من التحديات في الماضي، لكنه أيضاً شهد تحولاً مطرداً في السنوات الأخيرة. لقد أدرك الإقليم... read more

أدوار جامعية رائدة: الجامعة الأمريكية في السليمانية تقود المشاركة الجامعية في تطور ريادة الأعمال في العراق

في عصر التقدم التكنولوجي السريع والتواصل العالمي، عادة ما يتردد على أسماعنا مصطلح "ريادة الأعمال" في قاعات التجارة والأعمال، هذه الكلمة الرنّانة،... read more

تشكيل الغد: إعداد الشباب العراقي لسوق العمل

"الأمة التي لا تفكر بالشباب هي أُمةٌ تخطط للانتحار." لا شك بأن الشباب هم قادة المستقبل، وإنَّ عدم إشراكهم واحترام دورهم في... read more

مجموعة جيهان: نسج تراث من الابتكار في مُختَلَف القطاعات

تُعدُّ مجموعة جيهان من شركات التصنيع الرائدة في إقليم كوردستان العراق، وقد نَمَت على مدى العقود المنصرمة منذ بداياتها الأولى في صناعة... read more

رسم خريطة بيئة ريادة الأعمال العراقية - ملخص بحث

لقد تحول اقتصاد العراق من الاشتراكي القائم على نموذج دولة الرفاهية إلى اقتصاد أكثر رأسمالية. وتطور مشهد ريادة الأعمال في البلاد على... read more

سوق الشركات الناشئة في العراق: الكشف عن الفرص غير المستغلة-ملخص التقرير

لم تكن الكثيرُ من الشركات الكبيرة التي نعرفها اليوم إلّا أفكاراً جالت في بال مؤسسيها. والأفكار التي تلبي الاحتياجات الحقيقية قادرة على... read more

Posted in on Sunday, 5th February, 2023