الحد من آثار تغيُر المناخ بالاستفادة من التصميم الموفِر للطاقة

أحمد الحمداني 

مستشار البيئة والاستدامة


في عالمنا الذي يزداد احتراراً يوماً بعد يوم، صار تبريد الفضاءات من أولويات التنمية وتحديات تحقيق المساواة. يفاقم ارتفاع الطلب على التبريد ظاهرة الاحتباس الحراري للكوكب بزيادته انبعاثات مركبات الكربون الهيدروفلورية (HFCs) المستخدمة في مُعَدَّات التبريد. ويزيد أيضاً من نسب ثاني أكسيد الكربون والكربون الأسود في الجو، لأن ارتفاع الطلب على التبريد يعني تشغيل أجهزة تبريد أكثر، وبالتالي استهلاكاً أكثر للطاقة المُوَلَدةِ بواسطة الوقود الأحفوري، الذي يبعث استخدامه هذه الغازات.

من المتوقع أن يرتفع استهلاك الطاقة العالمية لتبريد الفضاءات بنسبة هائلة تبلغ 300٪ بحلول عام 2050. ويمكن أن يُجهِد هذا الارتفاع أنظمة الطاقة المثقلة مسبقاً في العراق والبلدان النامية الأخرى ذات المناخات الحارة. ومن المرجح أن تتضاعف الانبعاثات غير المباشرة للغازات الدفيئة (GHG) من جرّاءِ استخدام الكهرباء لتبريد الفضاءات بحلول عام 2050.

توجد أدلة دامغة على أن ارتفاع الحرارة وعدم توفر التبريد للجميع، خاصة في البلدان النامية مثل العراق، سيكون لهما تأثير على قطاعات الصحة والتعليم المدرسي وعلى إنتاجية الشعوب، وبالتالي سيتضرر النمو الاقتصادي لهذه الدول. هناك حاجة ملحة لأخذ خطوات صارمة للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة في خضم درجات الحرارة القياسية في العراق والتأثيرات المناخية المتزايدة عليه، والمجموعة الواسعة من الأدلة العلمية التي تنبئ بكوارث اقتصادية واجتماعية سيجلبها تغير المناخ إذا لم يُعالج.

لتجنب هذه الانبعاثات وإتاحة التبريد للجميع، يجب أن تتوفر تقنيات التبريد الفعالة التي تعمل بالمبردات الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة، والتي مساهمتها في الاحتباس الحراري أقل. ومن شأن تحقيق هذا الانتقال أن يعزز التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة بأشواط عديدة.


انبعاثات العراق وضررها على البيئة

يرى المجتمع العلمي أن غازات الاحتباس الحراري سبب أساس خلف هذه الظاهرة وفي التغيير في تركيبة غازات الغلاف الجوي. يُعرف العراق بأنه بلد غني بالنفط ويستخدم الوقود الأحفوري في توليد الطاقة والأنشطة المرتبطة بها، مما يزيد بشدةٍ من تلوث الغلاف الجوي، الذي بدوره يؤثر على الصحة العامة والبيئة. مع النمو الحديث في العراق، نمت الحاجة الماسة للطاقة لتلبية متطلبات النمو السكاني والتوسع الحضري والصناعي. تُلحِقُ العديد من قطاعات البلد ضرراً بليغاً بالبيئة بممارستها أنشطة مثل تشغيل محطات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري، وحرق الغاز في حقول النفط، وتشغيل المنشآت الصناعية، واستهلاك الطاقة من المباني بشكل عام. استناداً إلى تقديرات البنك الدولي، تضاعف الانبعاث السنوي لثاني أكسيد الكربون في العراق في العقد الاول من القرن الواحد والعشرين. ووجدت الدراسات العلمية المحلية أن مولدات البنزين والديزل الخاصة الموجودة داخل الأحياء السكنية تتسبب وحدها بأكثر من 50٪ من الأيروسولات الكربونية (جزيئات الكربون في الهواء). وهذا مثال بسيط على التأثير الضار للطاقةِ المُوَلَدةِ من الوقود الأحفوري وضرورة البحث عن مصدر طاقة أنظف وأكفأ. 


الحاجة الماسة لاستخدام الطاقة بكفاءة في البيئة المبنية

يستمر التحول الحضري السريع دون اعتبار لاستهلاك الطاقة وآثاره الضارة، الأمر الذي يثير مخاوف جدية. على الصعيد العالمي، تتسبب البيئة المبنية وقطاع الأعمار بما يقرب من 40٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. تحدث الغالبية العظمى من هذه الانبعاثات أثناء المرحلة التشغيلية للمبنى نتيجة لاستهلاك الطاقة الَّتِي تتولد أساساً من الوقود الأحفوري. إضافة إلى ذلك، تتمتع المباني بدورة حياة طويلة، مما يطيل أمد الانبعاثات الناتجة عن استهلاك الطاقة المستخدمة للتدفئة والتبريد والتهوية، وأجهزة الإضاءة وغيرها.

يختلف معدل استهلاك الطاقة بناءً على عوامل مترابطة، مثل الموقع، والظروف المناخية، ووظيفة الفضاء، ومواد البناء، وعامل محوري آخر وهو تصميم المبنى. يؤثر كل هذا على توفير الراحة الحرارية لشاغلي المساحة، الذي يعد المحرك الأساس لحمل الطاقة. يعدّ حمل التبريد جزءاً لا يتجزأ من استهلاك الطاقة في المباني، وتحديداً في المناخات الحارة مثل العراق، حيث قدرت الدراسات أن المباني السكنية تستهلك أكثر من 60٪ من الطاقة الموَلَدة. يرجع حوالي 42٪ من استهلاك الطاقة في المنازل لأحمال التبريد، وربع هذه النسبة للتدفئة. تسلط هذه النسب الضوء على أهمية استخدام أنظمة التبريد الفعالة ودمج استراتيجيات التصميم السلبي (القائم على الاستفادة من موارد الطبيعية) لتقليل استهلاك الطاقة، وبالتالي تقليل الضرر على البيئة. 


يشهد قطاع الإسكان في العراق ازدهاراً بسبب ارتفاع الطلب والنمو السكاني، خاصة في بغداد والمدن الرئيسية الأخرى. تعد عملية تقسيم الأراضي المفتوحة واستبدالها – التي تنفذُ بشكل عشوائي – هي التوجه السائد لحل أزمة نقص الوحدات السكنية. في معظم الحالات، لا تستوفي الأبنية المنشأة على هذه الأراضي معايير التصاميم والتوصيات الهندسية والمعمارية، مما يجعلها فوضوية وغير متجانسة. ونلاحظ أن تقنية العزل لا تستخدم بالاستفادة من تموضع البناء (تجنب أشعة الشمس في الصيف وكسب الحرارة في الشتاء) ولا باستخدام مواد بناءٍ مناسبة، أو بمراعاة أي جوانب بيئية وموفرة للطاقة. 

إن الكهرباء هي المصدر الرئيس للطاقة لكل الأُسَرِ العراقية تقريباً؛ ومع مواسم الصيف الحارة والجافة والشتاء البارد القصير، يعتمد تحقيق الراحة الحرارية للعراقيين اعتماداً تاماً على أنظمة التبريد والتدفئة الميكانيكية. يأتي هذا على حساب البيئة، فكلما زاد عدد السكان المتكلين على أنظمة التبريد التي تعمل بالطاقة، زاد استهلاكها وانبعاثاتها. أظهر تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء (CSO) حول مؤشرات الطاقة في العراق في عام 2019 أن متوسط الاستهلاك الشهري لأسرة ذات دخل متوسط في الصيف يتراوح بين 1500-2000 كيلوواط ساعة/شهر. 


التحديات التي تعيق الانتقال إلى الاستخدام الفعال للطاقة

تقف العديد من العوائق في طريق تحوِّل العراق إلى توليد الطاقة واستخدامها بفاعلية وكفاءة. وزارة الكهرباء هي الجهة المسؤولة عن رفع فاعلية استخدام الطاقة والحفاظ عليها، تشاطرها وزارة الاعمار والإسكان هذه المسؤولية بعملها في مجال إرشادات وتقنيات توفير الطاقة والاستخدام السليم للأُسَر. وقد أثرت النزاعات بين الأطراف السياسية على سن قوانين ولوائح جديدة تتعلق بالطاقة والتنمية المستدامة. يعاني قطاع الطاقة في العراق من سوء الإدارة والتنفيذ، اللذان تفاقما بسبب الفساد والبيروقراطية المعقدة في العديد من الدوائر. على سبيل المثال، كشف بحث حديث أجرته الجامعة الأمريكية في السليمانية (AUIS) أن العراق يخسر ما يصل إلى 55 مليار دولار سنوياً من الإيرادات المحتملة بسبب سوء الإدارة المتمثلة بنقص الوقود وإمدادات الطاقة وإهمال مصدر الغاز. يمكن تلخيص العوائق في طريق هذا التحول في ما يلي: 

  1. انخفاض أو انعدام الوعي العام بالاستخدام الفعال للطاقة السكنية. تظهر تبعات هذا القصور على العديد من المستويات، من سلوك المستهلك إلى فشل الوحدات السكنية في اعتماد تدابير الاستخدام الفعال للطاقة التي تفيد المجتمع والظروف البيئية. 

  2. يفتقر العراق للقوانين التي تنظم استهلاك الطاقة العامة واللوائح التي تتوافق مع الاستخدام الفعال لها. 

  3. المواصفات الفنية المفصلة لمعدل استهلاك الطاقة للأجهزة الكهربائية والأنظمة الميكانيكية غير معتمدة وغير مضمنة على الأجهزة. سبب ذلك هو غياب القوانين واللوائح التي تفرض توفير شهادات كفاءة استخدام الطاقة ووضع الملصقات على المنتجات الكهربائية لتبيين معدل استهلاكها.

  4. عدم وجود قوانين بناء شاملة للتصميم المعماري، ومعايير تضبط الاستدامة وممارسات البناء وتدابير السلامة سواءً للمباني القائمة أو الجديدة. وفي هذا الصدد، اقترحت وزارة التخطيط قانون تصميم المباني العراقي، إلا أنه لم ير النور بعد. 

  5. عدم كفاية التمويل العام ونقص برامج التحفيز المالي التي تعزز التحوُل إلى الاستخدام الفعال للطاقة. 

  6. صعوبة تحقيق تحول السوق إلى المباني الخضراء وتبني الممارسات المستدامة في البيئة المبنية. تقف الكلفة العالية لإنشاء المباني الخضراء المستدامة مقارنة بالطريقة التقليدية عقبةً في وجه هذا التحول، لأنها تتجاوز ميزانيات الأسر ذات الدخل المنخفض إلى المتوسط. يستدعي هذا مزيداً من العمل لإقناع هذه الأُسَر بإجراء استثمار طويل الأجل في الاستدامة. 


تقليل الانبعاثات من خلال تبني مبادئ التصميم الكفوء

يواجه العراق موجة حر شديدة من جرّاءِ ارتفاع درجات الحرارة في الصيف بسبب تغير المناخ. يؤيد هذا أهمية توفر أنظمة التبريد في المساحات المبنية والمزمع بنائها؛ بينما يتزايد الطلب على التبريد لتلبية مستوى الراحة المطلوب لشاغلي المباني. إن واحدة من أقل الطرق كلفة لسد هذه الحاجة هي تصميم المباني بطريقة موفرةٍ للطاقة ووفقاً لتدابير التبريد السلبي. تتمثل إحدى الطرق الأمثل لتقليص الحاجة للتبريد في صناعة البناء بشكل طبيعي في تنفيذ تصميم بناء مستجيب للمناخ وفعال حرارياً في كل من الهياكل الجديدة والقائمة. يمكن تحقيق ذلك بالاستفادة من التنفيذ الجاد لسياسات وقوانين الطاقة المتعلقة بالتصميم والبناء.

تعمل إستراتيجية تصميم التبريد السلبي في المباني على زيادة استخدام المصادر الطبيعية للتدفئة والتبريد والتهوية لتوفير الراحة الحرارية لشاغلي الفضاء. اتبعت البيوت البغدادية القديمة اسلوباً مشابهاً لتكوين المساحات الداخلية، في حين أن المنازل المعاصرة التي يتم بناؤها تتجاهل الجوانب البيئية والطبيعية خلال مرحلة التصميم. يجب أن يفرض اعتماد استراتيجية سلبية في قوانين البناء وتراخيص البناء عن طريق تقييد استخدام مواد بناء معينة لا تساعد على تحسين غلاف المباني، وتموضعها، واستخدام الأسطح الشفافة، والتظليل، والعزل. إذا تحقق ذلك، يمكن أن يمنع تغلغل الحرارة ويقلل الطاقة اللازمة للتبريد بنسبة 10٪ إلى 40٪.


الخاتمة 

ما يزال أمام العراق شوطٌ طويلٌ ليقطعه في تنفيذ التطبيقات والممارسات الموفرة للطاقة في البيئة المبنية. سيحتاج جميع أصحاب المصلحة المشاركين في هذه العملية، بما في ذلك الوزارات والبلديات والقطاع الخاص والمهندسون وعموم الناس، إلى العمل معاً. يعد وضع خطط وأطر عمل قوية للتخفيف البيئي مهمة صعبة نظراً للتحديات التي يواجهها العراق، لذا فإن التحول التدريجي إلى الكفاءة في استهلاك الطاقة وفي التصميم والبناء هو الحل الأمثل. 

يجب أن تكون الإصلاحات في السياسات والقوانين التي تعالج هذه القضية مصحوبة بخطط شاملة تساعد الأسر على التكيف مع هذا التحول. وقد يتوقف تنفيذ هذه الإصلاحات ومساعدة الناس على التكيف مع الأسلوب الجديد على وعي الجمهور. يجب أن تُدَعم القوانين واللوائح الصارمة بحوافز مالية لأولئك الذين يطبقونها ويتبنون دورهم في هذا التحوُل، وأن تفرض تعريفات على جميع المواد والأجهزة والأنظمة الميكانيكية غير المرغوب فيها. يعد بناء عَلاقة وتواصل مستمر مع المجموعات المستهدفة أمر بالغ الأهمية لمساعدة المتضررين بواسطة آليات التعويض، وعدم إهمالهم.

إن تحسين الراحة الحرارية في المباني، وتقليل حمل التبريد، وما ينتج عن ذلك من فوائد لنظام الطاقة والمناخ من ضمن ما يهدف إليه اعتماد نهج كفاءة التصميم. ولتحقيق هذه الإمكانات بالكامل، يجب تعزيز إطار السياسات، ودعم قدرات المؤسسات، ومن الضروري زيادة وعي المستهلكين أيضاً. إن الاستفادة من الإمكانات غير المستغلة للمباني الموفرة للطاقة وتعميمها مساهم هام طويل الأجل وقليل الكلفة في تحسين الأداء الحراري للمباني وتقليل الطلب على الطاقة المستخدمة في تبريدها.




More Arabic Articles

تحول التعليم الجامعي في كوردستان العراق: اجتياز العقبات وتبني التغيير الإيجابي

واجه التعليم في إقليم كوردستان العراق العديد من التحديات في الماضي، لكنه أيضاً شهد تحولاً مطرداً في السنوات الأخيرة. لقد أدرك الإقليم... read more

أدوار جامعية رائدة: الجامعة الأمريكية في السليمانية تقود المشاركة الجامعية في تطور ريادة الأعمال في العراق

في عصر التقدم التكنولوجي السريع والتواصل العالمي، عادة ما يتردد على أسماعنا مصطلح "ريادة الأعمال" في قاعات التجارة والأعمال، هذه الكلمة الرنّانة،... read more

تشكيل الغد: إعداد الشباب العراقي لسوق العمل

"الأمة التي لا تفكر بالشباب هي أُمةٌ تخطط للانتحار." لا شك بأن الشباب هم قادة المستقبل، وإنَّ عدم إشراكهم واحترام دورهم في... read more

مجموعة جيهان: نسج تراث من الابتكار في مُختَلَف القطاعات

تُعدُّ مجموعة جيهان من شركات التصنيع الرائدة في إقليم كوردستان العراق، وقد نَمَت على مدى العقود المنصرمة منذ بداياتها الأولى في صناعة... read more

رسم خريطة بيئة ريادة الأعمال العراقية - ملخص بحث

لقد تحول اقتصاد العراق من الاشتراكي القائم على نموذج دولة الرفاهية إلى اقتصاد أكثر رأسمالية. وتطور مشهد ريادة الأعمال في البلاد على... read more

سوق الشركات الناشئة في العراق: الكشف عن الفرص غير المستغلة-ملخص التقرير

لم تكن الكثيرُ من الشركات الكبيرة التي نعرفها اليوم إلّا أفكاراً جالت في بال مؤسسيها. والأفكار التي تلبي الاحتياجات الحقيقية قادرة على... read more

Posted in on Monday, 17th July, 2023